محمد بن جرير الطبري
235
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
ومما يدلّ أيضًا على صحة ما قلنا في تأويل ذلك ، وأنه عُني بقوله : " ليس بأمانيكم " مشركو العرب ، كما قال مجاهد : إن الله وصف وعدَ الشيطان ما وعدَ أولياءهُ وأخبَر بحال وعده ، ثم أتبع ذلك بصفة وعدِه الصادق بقوله : " والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا وعد الله حقًّا " ، وقد ذكر جل ثناؤه مع وصفه وعد الشيطان أولياءه ، تمنيتَه إياهم الأمانيّ بقوله : ( 1 ) " يعدهم ويمنيهم " ، كما ذكر وعده إياهم . فالذي هو أشبهُ : أن يتبع تمنيتَه إياهم من الصفة ، بمثل الذي أتبع عِدَته إياهم به من الصفة . وإذ كان ذلك كذلك ، صحَّ أن قوله : " ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءًا يجز به " الآية ، إنما هو خبر من الله عن أماني أولياء الشيطان ، وما إليه صائرة أمانيهم = مع سيئ أعمالهم من سوء الجزاء ، وما إليه صائرةٌ أعمال أولياء الله من حسن الجزاء . وإنما ضمَّ جل ثناؤه أهلَ الكتاب إلى المشركين في قوله : " ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب " ، لأن أماني الفريقين من تمنية الشيطان إياهم التي وعدهم أن يمنِّيهموها بقوله : " ولأضلنهم ولأمنينّهم ولآمرنهم " . القول في تأويل قوله : { مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ } قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك . فقال بعضهم : عنى ب " السوء " كل معصية لله . وقالوا : معنى الآية : من يرتكب صغيرةً أو كبيرة من مؤمن أو كافر من معاصي الله ، يجازه الله بها . * ذكر من قال ذلك :
--> ( 1 ) في المطبوعة : " وتمنيته " بالواو ، والصواب حذفها كما في المخطوطة . وذلك أن معنى الكلام ذكر تمنيتهم مع وصف وعد الشيطان .